مرصد مينا
عشية دخول أول شهر رمضان، امتدت طوابير من الناس على الدرج خارج أحد البنوك في العاصمة السورية دمشق، حيث انتظروا لساعات لسحب رواتبهم ما يعادل حوالي 20 دولارا فقط لشراء احتياجاتهم للشهر الفضيل.
وفرضت الحكومة السورية الجديدة قيوداً صارمة على السحب اليومي في البنوك بحيث لا يتجاوز هذا المبلغ، ما أثار القلق في وقت كان يُفترض أن يكون احتفالياً، حيث يجد الكثيرون صعوبة في شراء حتى الأساسيات لشهر الصيام.
قيود السحب البنكي تفرغ رمضان من بهجته
قال سليمان داوود، المهندس المدني البالغ من العمر 56 عاماً، الذي كان من بين الواقفين في طابور الصراف الآلي لسحب 200 ألف ليرة سورية (أي حوالي 15 دولاراً): “هذا قد يشتري كيلو ونصف من اللحم، ولكن ماذا عن الخبز والخضروات والفواكه؟ رمضان قادم، ونحن بحاجة إلى الإنفاق.”
من جهته، كان رئيف غنيم، الموظف المدني المتقاعد البالغ من العمر 75 عاماً، قلقاً بشأن قدرته على الوفاء بالتقليد الذي يقضي بمنح الأطفال مبالغ صغيرة من المال في نهاية رمضان، بينما كان ينتظر سحب بعض النقود. وتساءل: “كيف سنحتفل ونقدم الهدايا للأطفال؟”
التغييرات الاقتصادية وتأثيرها على المواطنين
يأتي رمضان هذا العام بعد ثلاثة أشهر من الإطاحة بحكم الأسد الذي استمر لأكثر من خمسة عقود. وقد أدخلت الحكومة الجديدة التي تولت السلطة في دمشق عدة تغييرات اقتصادية، بما في ذلك فتح السوق أمام المنتجات المستوردة وإلغاء دعم الخبز، مما جعل هذا المنتج الأساسي أغلى بعدة أضعاف.
كما سرّحت الحكومة الجديدة آلاف الموظفين في القطاع العام، وفرضت سقفاً للسحوبات النقدية من الصرافات الآلية.
ورغم أن أسعار العديد من السلع، باستثناء الخبز، قد انخفضت بشكل ملحوظ منذ تولي الحكومة الجديدة، فإن الكثير من السوريين لا يزالون غير قادرين على شراء هذه السلع بسبب قيود السحب في الاقتصاد المعتمد على النقد، حيث لم يتبنى النظام المصرفي استخدام بطاقات الائتمان أو المدفوعات الإلكترونية.
البحث عن النقود أصبح مهمة يومية في ظل أزمة السيولة
أصبح الحصول على النقود بمثابة وظيفة بدوام جزئي، حيث يقضي السوريون ساعات في محاولة سحب ما يكفي من المال للعيش، ناهيك عن الاحتفال بشهر رمضان، الذي يتميز بالتجمعات العائلية والولائم.
ومع تراجع السيولة النقدية وتوجه الحكومة نحو تغيير السياسات الاقتصادية، بدأ سعر صرف الليرة السورية يتحسن بعد أكثر من عقد من التراجع. قبل عام 2011، كان سعر الصرف حوالي 50 ليرة سورية مقابل الدولار الأمريكي. وعندما أُطيح بالحكومة في 8 ديسمبر، كان السعر حوالي 15,000 ليرة للدولار، لكنه بدأ في الانخفاض منذ ذلك الحين ووصل إلى أقل من 10 آلاف ليرة مقابل الدولار الواحد.
ولم يرد البنك المركزي السوري ووزارة الاقتصاد ووزارة الداخلية على الأسئلة المطروحة. وفي بيان صدر في ديسمبر الماضي، أشار البنك المركزي إلى قيود السحب، قائلاً إنها تدابير مؤقتة، ولكن هذه القيود لا تزال سارية منذ عدة أشهر.
هذا الشهر، وصلت شحنة من الليرات السورية المطبوعة حديثاً من روسيا، حيث تتم طباعة العملة، وفقاً لوسائل الإعلام الحكومية التي أشارت إلى أن قيمة المبلغ تبلغ 300 مليار ليرة.
لكن، بحسب العديد من الخبراء الاقتصاديين، فإن هذا المبلغ غير كافٍ لإنهاء أزمة السيولة في البلاد.
يقول كرم شعار، الخبير الاقتصادي والسياسي والزميل في معهد “نيو لاينز” بواشنطن، الذي التقى بمسؤولين سوريين: “هم بالفعل لا يملكون ما يكفي من الأوراق النقدية. لديهم أزمة سيولة”.
وأضاف: “السياسة النقدية الحالية التي يدرسها البنك المركزي لم تُحسم بعد، ولا تبدو متماسكة”.
الحياة الاجتماعية تحت ضغط الأزمة الاقتصادية
أكثر من 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، وواحد من كل أربعة أشخاص عاطل عن العمل، وفقاً للأمم المتحدة. وفي طوابير البنوك الطويلة في جميع أنحاء البلاد، يعاني العديد من السوريين.
وقال محمود إمبارك، الضابط العسكري المتقاعد البالغ من العمر 60 عاماً، إنه سيتعين عليه إلغاء وجبة السحور، وهي الوجبة التي يتناولها المسلمون قبل بدء الصيام اليومي.
وأوضح أن الحكومة الجديدة خفضت معاشه التقاعدي مؤخراً، وأن أسرته تعيش الآن على راتب تقاعد زوجته التي كانت تعمل في التمريض. وأضاف: “لن يكون الوقت سعيداً.”
أما أحلام قاسم، 45 عاماً، فقد ارتعشت خوفاً عندما سمعت ذكر رمضان. كانت تنتظر في طابور البنك لسحب 200 ألف ليرة سورية (حوالي 15 دولاراً) من راتبها الشهري البالغ 380,000 ليرة (حوالي 28 دولاراً) كمهندسة مدنية في وزارة الزراعة.
وقالت: “قالوا لنا إن الحكومة ليس لديها أموال، البنك المركزي ليس لديه، البنوك ليس لديها”.
وأضافت:”لدينا الكثير من الأسئلة، لكن لا توجد إجابات.” لذا، استقلت حافلة صغيرة مع زوجها من بلدتهما الصبورة، التي تبعد حوالي 16 كيلومتراً، ودفع كل منهما 10 آلاف ليرة للوصول إلى صراف آلي في أحد بنوك دمشق.
وسيتعين عليها القيام برحلة أخرى في يوم آخر لسحب بقية راتبها. ورغم ذلك، فإن هذا المبلغ لن يشتري الكثير لعائلتها المكونة من خمسة أفراد، فضلاً عن الولائم الرمضانية الكبيرة المعتادة.
وقالت السيدة قاسم، وهي من بين العديد من الموظفين المدنيين الذين تم تسريحهم مع تعويض يعادل رواتب ثلاثة أشهر:”لن تكون هناك حفلات عشاء أو أي شيء”.
وأضافت: “لقد وصلنا الآن في سوريا إلى نقطة قد يكون فيها تقديم كوب من القهوة عبئاً ثقيلاُ على شخص ما”.
وتابعت: “نحن شعب اجتماعي جداً، لكننا وصلنا إلى مرحلة لا نريد زيارة أحد حتى لا نضعه في موقف محرج لتقديم ولو كوب قهوة، ناهيك عن الغداء أو العشاء”.
التجارة الرمضانية تشهد ركوداً كبيراً في الأسواق
كانت هذه المخاوف واضحة في سوق باب سريجة، وهو تجمع مزدحم من المتاجر والبائعين المتجولين في المدينة القديمة بدمشق.
كان أحد البائعين يصرخ مراراً: “عشرة، عشرة، تقريباً مجاناً”، بينما يعرض كيلوغراماً من الزيتون مقابل 10 آلاف ليرة، أي أقل من دولار واحد. وفي متجر صغير لبيع زينة رمضان—فوانيس ملونة وأضواء زينة—كانت الحركة هادئة إلى حد كبير. وكان البعض يسأل عن الأسعار ثم يغادر دون شراء شيء.
وقالت نور الحموي، 37 عاماً، التي كانت تساعد زوجها في المتجر: “الناس لا يملكون المال، البنوك لا تملك المال، سوريا لا تملك المال”.
في السوق، كانت فاطمة حسين علي، 56 عاماً، وزوجها هايل علي جسر، 59 عاماً، يحملان أكياس تسوق مليئة بالتوابل والجبن والدقيق.
ورغم أن أسعار المواد الأساسية مثل أوراق الزيتون والزيت والأرز والبرغل أصبحت أرخص مما كانت عليه قبل الإطاحة ببشار الأسد، إلا أن الزوجين اللذين لديهما ثمانية أطفال كانا يشتريان أقل بكثير من السنوات الماضية.
وقالت فاطمة: “الأسعار أرخص، لكن لا يوجد مال”. وأعربت عن شكها في أنها ستقيم أي ولائم هذا العام. وإذا فعلت، فقد تمزح مع ضيوفها وتطلب منهم “إحضار خبزهم معهم”.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة مرصد الشرق الأوسط و شمال أفريقيا ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من مرصد الشرق الأوسط و شمال أفريقيا ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.