القيمة ليست حقيقة موضوعية أو جوهراً ثابتاً بل هي وهم يصنعه الإنسان انعكاس لرغباته، احتياجاته، وأحياناً أوهامه الجماعية.
التاريخ مليء بالأمثلة على أشياء لم تكن لها قيمة في ذاتها، لكن البشر، بعبقريتهم ورغباتهم، منحوا تلك الأشياء وزناً وقيمة، ليصبح بعضها أساساً للثروات، وأحياناً رمزاً للسلطة. لنأخذ الذهب مثالاً ، هذا المعدن الذي لا يصدأ ولا يفقد لمعانه، لم يكن له استخدام عملي كبير مقارنة بمعادن أخرى مثل الحديد أو النحاس ، ومع ذلك منذ الحضارات القديمة، كان الذهب رمزاً للقوة والثروة، ليس بسبب فوائده، بل بسبب ندرته وجماله البصري. الفراعنة وضعوه في مقابرهم ليصاحبهم في العالم الآخر، وأصبح لاحقاً معياراً نقدياً يحدد قوة الدول.
لا يزال الذهب حتى اليوم يحتفظ بقيمته العالية، رغم أن أهميته العملية محدودة للغاية مقارنة بالموارد الأخرى. إنه دليل حي على أن قيمة الذهب ليست في المعدن نفسه، بل في ما يراه الإنسان فيه. ثم هناك الألماس، تلك الأحجار التي كانت مجرد اكتشاف جيولوجي عادي حتى القرن التاسع عشر. عندما ظهرت مناجم الألماس في جنوب إفريقيا، لم يكن الطلب على هذا الحجر عالياً ، لكن حملة تسويقية مذهلة من شركة «دي بيرز» جعلت الألماس ضرورة ثقافية، وربطته بفكرة الحب الأبدي والزواج المثالي ، «الألماس للأبد» لم يكن مجرد شعار، بل عملية تحفيز نفسي عالمي، دفعت الناس لدفع آلاف الدولارات للحصول على حجر لا يتميز عملياً بشيء سوى لمعانه وصلابته.
مرة أخرى، ليس الألماس هو القيمة، بل الفكرة التي تبناها البشر عنه. في أوقات سابقة من التاريخ، كان الملح يساوي الذهب. اليوم، هو سلعة زهيدة الثمن في كل مكان، لكن في العصور القديمة، كان الملح أساسياً لحفظ الطعام، وكان توافره أو نقصه يُحدد مصير مدن وشعوب. الإمبراطورية الرومانية كانت تدفع رواتب جنودها بالملح، حتى أن كلمة «Salary» مشتقة من كلمة ملح. القيمة العالية للملح كانت وليدة ضرورته في وقت لم يكن لدى البشر وسائل حديثة لحفظ الطعام. مع تطور التكنولوجيا، تراجعت هذه الضرورة، وتراجعت معها قيمة الملح. إنه مثال آخر على أن القيمة ليست ثابتة، بل تخضع لتغيرات الزمن واحتياجات الإنسان. وفي عالمنا الحديث، لا يوجد مثال أوضح على هذا الوهم القيمي من العملات الرقمية مثل بيتكوين، هذه العملات ليست سوى رموز برمجية، لا شكل لها ولا وجود مادي. ومع ذلك، بلغت قيمة تداولها مليارات الدولارات، فقط لأن البشر قرروا أن هذه الأكواد تمثل الحرية من الأنظمة التقليدية والاقتصادات المركزية. العملات الرقمية لا تحمل قيمة ذاتية، لكنها تُظهر كيف يمكن للرغبات الجماعية أن تخلق ثروة من العدم، فقط بالإيمان بأن تلك الرموز تستحق شيئاً.
الأمثلة لا تنتهي، النفط كان مجرد سائل مزعج يتسرب من الأرض حتى الثورة الصناعية، حين أدرك الإنسان أنه يمكن أن يكون مصدر طاقة لا غنى عنه. الآن يُسمى «الذهب الأسود» ، وهو شريان الحياة للاقتصاد العالمي. زنجبار، تلك الجزيرة التي كانت مركزاً للتجارة العربية في شرق إفريقيا، كانت جوهرة نادرة لأنها كانت بوابة للتجارة، لكنها فقدت قيمتها الاستراتيجية بعد التغيرات الجيوسياسية.
القيمة، إذن، ليست في الأشياء ذاتها، بل في عيوننا،هذه الحقيقة تجعلنا نتساءل: كم من الأشياء التي نعتبرها ضرورية أو ثمينة اليوم هي مجرد انعكاس لرغباتنا الجماعية؟
@malarab1
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة اليوم ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة اليوم ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.